Thursday, 1 September 2011

إلى صديقي مايكل خلف أسوار سجن المرج

أجلس منطوية في تلك الزاوية البعيدة في غرفتي، مستمتعة بتلك القشعريرة السارية في جسدي، عندما تذكرت ذلك اليوم، حيث التقينا اول مرة.كم كان مليئا بالنشاط والتحدي والحماس والشجاعة وحب الوطن وعشق الحرية.
يوم السادس من أبريل كان أول يوم يجمعني بمايكل نبيل بعيدا عن شاشة الكمبيوتر أو التليفون المحمول. تعجبت عندما رأيت جسده النحيل. فكيف لهذا الجسد ان يتحمل عواقب النضال من اجل الحرية. مضينا ذلك اليوم سويا ننادي بحريتنا وحرية بلدنا العزيز مصر .أفيق على انتفاضة أخرى في جسدي عندما تذكرت آخر لقاء جمعني بمايكل. كان ذلك خلف اسوار سجن المرج . أتذكر ملابسه المتسعة من شدة ضعفه. أتذكر عيناه المجهدتان و يداه قليلتا الارتجاف. أتذكر حديثه المليء بالقوة والثبات والتحدي والاستعداد التام لإكمال الحرب ضد أعداء الحرية. يزداد تعجبي . من أين له بهذه القوة وهو داخل هذا المكان اللعين وفي حالة مزرية.
وأعود لغرفتي. تمر التفاصيل أمام عيني كمقاطع من فيلم لا أستطيع تحديد هويته ولكنه خليط من التراجيديا والدراما والأكشن والاثارة وأحيانا الهزلية.
فهذا مشهد لمايكل يلقي حديثا عن التجنيد الاجباري - يجلس إلى جواره شخصية مرموقة ومؤسس أحد أكبر الأحزاب - وكيف أنه سخرة للإنسان ولا يجوز لأي جهة اجبار شخص ما على أدائه دون سبب قسري.
وعلى الرغم من تأييد الكثيرين له حيث أنه يطاب بحرية و حقوق الانسان إلا أنه هوجم بشدة من آخرين. ولكنه لم ييأس. ابتسم وقرر المضي في جهاده من اجل الحرية.
وهذا مشهد يحمل فيه لافتة كتب عليها "لا للطوارئ" ويقف ضمن آلاف المتظاهرين المطالبين بإنهاء الاعتداء على المواطنين دون وجه حق، ومازالت نفس الابتسامة على وجهه.
تمر العديد من اللقطات السريعة : مكالمة تليفونية تحمل صوتا سعيدا لم أعهده من قبل عندما أسقطنا الرئيس. تليها لقطة له حاملا لوحة كتب عليها "نريد دولة مدنية لا دينية ولا عسكرية" وأخرى كتب عليها "يكفى حكم العسكر منذ 52" وعلى أخرى "نرفض أن يسرق الجيش ثورة الشعب".
أتذكر كيف كان هو من أوائل من أدركوا موقف الجيش الحقيقي من الثورة.
أتذكر كم حاول تحذير الناس بما هو قادم. أتذكر كيف اتهمه الكثيرون بالخيانة عندما كتب ذلك المقال البحثي الموثق "الجيش والشعب عمرهم ما كانوا ايد واحدة".
ويمر مشهد آخر وهو يلتقط بعض الصور بجوار الأهرامات وتمثال لأحد أفراد عائلة رع وفى بعض الأماكن الأثرية. أتذكر حديثه لي وكم تمنى أن يمتلك الفرصة ليتمتع بحياته وبلده كأي مواطن سعيد له حريته و حقوقه.
ومشهد آخر عندما ابتسم وقال لي : أشعر أنني مهدد وأن هناك خطر قريب لما كتبت و سوف أكتب.
تعجبت وابتسمت وحاولت طمأنته بأنه لا يمكن لإنسان أن يسجن بسبب قلمه خصوصا الآن بعد تلك الثورة العظيمة.
وتمر العديد من المشاهد مسرعة أمام عيني وفجأة يتوقف المشهد على تلك المكالمة في الصباح الباكر من يوم 29 مارس: " سحر، مايكل اتقبض عليه امبارح من البيت "
تذكرت كيف وقع الخبر على كالصاعقة . و لم تستطع قدماي حملي . تذكرت المقال الذى كتبه مايكل و كيف يوضح ان الجيش غير عادل و من السهل عليه انتهاك انسانية المواطنين و حريتهم . ملأني الخوف و الحزن على الثمن الفادح الذي دائما ما ندفعه عندما نفكر مجرد التفكير و نخط افكارنا بأقلامنا .
حدث ما كنت أخشاه . اعتقل الجيش صديقي مايكل فقط بسبب مقال كتبه يتحقق كل سطر فيه يوميا الآن و يدرك الناس جميعا أن مايكل كان محقا تماما فيما كتبه ولكن جريمته هي أنه كان أول من أدرك تلك الحقيقة و كتب عنها. الآن يكتب الكثيرون والكثيرون.. ويظل مايكل وحده معتقلا .
يا له من ظلم . ظلم كان من الممكن توقعه قبل ثورة قام بها شعب ومات من أجلها شباب عظماء.
يا لها من مفارقه و نفاق أن تطلب مساعدة كل من أظهر الحب لمايكل من قبل و ساعده في كثير من المواقف كتلك الأشخاص المرموقة من رؤساء الأحزاب والإعلاميين الذين ينوون الترشح للرئاسة الآن وحتى الأصدقاء المقربين رفقاء الكفاح من أجل الحرية . فجأة تراجع الجميع . فقط أوجه لكم كلمة بعد الشكر و هي أن الحريات والدفاع عن الحقوق ليس مجرد شعارات براقة، إنما مواقف نزيهة حاسمة.
لكن عزائي الوحيد هو ثقتي التامة بقوة وثبات صديقي إيمانه العميق بمبادئه وحقوقه وحريته. أثق تماما أنه سيتجاوز هذه المحنة وسيعود أقوى. وستظل ابتسامته الهادئة على وجهه. وسيظل يدافع عن الحرية.

No comments:

Post a Comment